بحـث
 
 

نتائج البحث
 

 


Rechercher بحث متقدم

من أنا ؟



حقوقية، كاتبة، ناشطة في شؤون بلادي وشؤون المرأة، لي عدة منشورات ورقية وإلكترونية


المواضيع الأخيرة
» عشر ذي الحجة فضائلها والأعمال المستحبة فيها
أمس في 13:41 من طرف سيما حسن

»  عـولـيـــس الـفـِلــِســـْطـيـني د. عبد القادر حسين ياسين
السبت 11 أغسطس 2018 - 11:52 من طرف م.أ.البشيتي

» رسائل في الهواء
الخميس 9 أغسطس 2018 - 20:45 من طرف ميساء البشيتي

»  فرحة العمر....إهداء
الخميس 9 أغسطس 2018 - 18:27 من طرف لطيفة الميموني

» خيبة أمل
الخميس 9 أغسطس 2018 - 11:10 من طرف ميساء البشيتي

» من ذكريات الأديب زياد سقيرق
الإثنين 30 يوليو 2018 - 12:34 من طرف ميساء البشيتي

» رسائل بشهوة المطر
السبت 28 يوليو 2018 - 12:04 من طرف ميساء البشيتي

» حروف بلا رؤوس
الخميس 26 يوليو 2018 - 23:27 من طرف ميساء البشيتي

» إرنيست هـمـنـجواي : حـياة طليقة… ونهاية فاجعة! الدكتور عـبدالقادر حسين ياسين
الأربعاء 25 يوليو 2018 - 17:34 من طرف م.أ.البشيتي

» وستظلين أجمل قصيدة.
الإثنين 23 يوليو 2018 - 1:39 من طرف لطيفة الميموني

» نيلسون مانديـلا : رجـل الإجـمـاع والـمـبـادئ…!! الدكتور عبـد القـادر حسين ياسين
السبت 21 يوليو 2018 - 12:15 من طرف م.أ.البشيتي

» إسرائيل تقرّ "قانون القومية".. فماذا يعني؟
الجمعة 20 يوليو 2018 - 12:27 من طرف مؤيد السالم

» تعرّف على الفرق بين "إذاً" و "إذن"
الجمعة 20 يوليو 2018 - 12:11 من طرف ميساء البشيتي

» لك يا بحر...أبث شكواي
الأربعاء 18 يوليو 2018 - 17:58 من طرف لطيفة الميموني

» كيف تنخر لعبة في عظام أمة...!!
الأربعاء 18 يوليو 2018 - 17:37 من طرف لطيفة الميموني

» عهد...وعهد...
الأربعاء 18 يوليو 2018 - 16:43 من طرف لطيفة الميموني

» براءة ووفاء!
الأربعاء 18 يوليو 2018 - 16:19 من طرف محمد الصالح الجزائري

» ثنائيات شرقية
الثلاثاء 17 يوليو 2018 - 18:15 من طرف ورد العربي

» 10 حقائق قد لا يعرفها الكثيرون عن غسان كنفاني
الثلاثاء 17 يوليو 2018 - 18:11 من طرف ورد العربي

» كعك على الرصيف/ بقلم غسان كنفاني...((إهداء إلى الأستاذة فاطمة شكري))
الخميس 12 يوليو 2018 - 12:32 من طرف فاطمة شكري

» ما تبقى لكم من أدب غسان كنفاني
الثلاثاء 10 يوليو 2018 - 15:50 من طرف فاطمة شكري

» تـأمـلات في الـكـتـابـة الـصـحـفـيـة د. عبد القادر حسين ياسين
الإثنين 9 يوليو 2018 - 11:46 من طرف م.أ.البشيتي

» مما كتبته آني هوفر كنفاني بعد استشهاد زوجها الفلسطيني الأديب والمفكر والسياسي غسان كنفاني بقلم مجدي السماك
الإثنين 2 يوليو 2018 - 14:06 من طرف م.أ.البشيتي

» خواطري المنشورة في الأبجدية الأولى
الإثنين 2 يوليو 2018 - 10:56 من طرف ميساء البشيتي

» * يوم رحيلك *
الأحد 1 يوليو 2018 - 18:49 من طرف رشيد أحمد محسن

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع
سيما حسن
 


بـطريرك الاسـتـشـراق” بيرنـارد لويس: مَـوْسـوعِـيـَّة هـائـلـة … وتـَبـسـيط فـَجّ/ الدكتور عبـدالقـادرحسين ياسين

اذهب الى الأسفل

بـطريرك الاسـتـشـراق” بيرنـارد لويس: مَـوْسـوعِـيـَّة هـائـلـة … وتـَبـسـيط فـَجّ/ الدكتور عبـدالقـادرحسين ياسين

مُساهمة من طرف م.أ.البشيتي في الخميس 24 مايو 2018 - 17:28

“بـطريرك الاسـتـشـراق” بيرنـارد لويس: مَـوْسـوعِـيـَّة هـائـلـة … وتـَبـسـيط فـَجّ/ الدكتور عبـدالقـادرحسين ياسين
مايو 22, 2018 في 9:39 م
غـَـتـَّـبَ الـمـوت يوم الأحـد الماضي المؤرخ البريـطاني ـ الأمـريكي المخضرم في شؤون الشرق الأوسط، برنارد لويس، والذي يوصف بأنه “ترك أبلغ الأثر في تشكيل نظرة الغرب إلى هذه المنطقة”، عن عمر يناهز المئة وعاما.

يعتبر بيرنارد لويس شخصية غير عادية في عالمَي الأكاديميا والإنتليجنسيا الغربية. في هذا المقال أحاول أن ألقي المزيـد من الضـوء على أهم الأفكار التي أطلقها لويس حيال العرب والمسلمين على مدى أكثر من نصف قرن، ثم ما لبثت أن تحولت اليوم إلى ما يشبه المتكآت النظرية لاستراتيجيات الأمن التي تقودها الولايات المتحدة الأمـريكية في العالمين العربي والإسلامي.

ولد لويس في لندن عام 1916 لأسرة يهودية من الطبقة الوسطى، وعـُرف بولعه باللغات والتاريخ منذ سن مبكرة، إذ اهـتم بدراسة اللغة العبرية ، ثم انتقل لدراسة الآرامية والعربية، كما درس أيضا اللاتينية واليونانية والفارسية والتركية. وتخرج عام 1936 من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS)، في جامعة لندن، في التاريخ مع تخصص في الشرق الأدنى والأوسط، ونال درجة الدكتوراة بعد ثلاث سنوات، من الكلية ذاتها في التاريخ الإسلامي. وكان موضوع أطروحتـه عن “الطائـفة الإسـماعـيـلـيـة وجـماعـة الحـشـَّـاشـيـن” The Assassins: A Radical Sect in Islam. وخلال إعـداده لأطروحـة الدكتوراة، قـضى لويس فـترة في جامعة باريس، كما قام بجولة في الشرق الأوسط استغـرقت بضعة شهور.

وقبل حصوله على درجة الدكتوراة بعام واحد، عُيّن مدرساً مساعداً بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجـامعـة لـندن، غير أنه ترك العمل بالجامعة خلال سنوات الحرب (1940 ـ 1945) ليلتحق بخدمة المخابرات البريطانية. وبعد الحرب، عاد للعمل بالجامعة حتى عام 1974.  ولكن صلته بالمخابرات البريطانية لم تنقطع، فقد ظل مرجعاً هاماً يستشار في كل ما يتصل بشؤون الشرق الأوسط .

ولعل ذلك يفسر انصرافه عن دراسة تاريخ الإسلام الوسيط ، واتجاهه – بعد الحرب العالمية الثانية – إلى دراسة تاريخ الشرق الأوسط الحديث، فـنـشـر كتاباً عن “ظهور تركيا الحديثة”
The Emergence of Modern Turkey، وآخر عن “تكوين الشرق الأوسط الحـديث” ،
The Shaping of the Modern Middle East وثالث عن “تاريخ الشرق الأوسط في الألفي عام الأخيرة” The Middle East: A Brief History of the Last 2000 Years ، ثم كتاب ” الهويات المـتعـددة في الشرق الأوسط” The Multiple Identities of the Middle East  .

وظـَّف لويس رصيده المعـرفي عن تاريخ الأفكار التى يطرحها في كتبه، فـرصيده المعرفي عن تاريخ الإسلام يشي بالـقـصور في متابعة ما حـقـقـه هذا الحقـل الأكاديمي من تطور بعد الحرب العالمية الثانية في الغرب ذاته. والأفكار التي يطرحها في كتبه في الثلاثة عـقود الأخيرة موحية لصانع القرار الغربي، تستهدف إثارة مخاوف القراء من الإسلام وأهـله.

وبعد أفـول نجم الهيمنة البريطانية في الشرق الأوسط، واضطرار بريطانيا إلى تنفيذ سياسة “الانسحاب شرق السويس” عام 1971، ليسدل بذلك الستار على النفـوذ البريطاني ، وتصبح الولايات المتحدة هي الوريث الطبيعي لحماية المصالح الغربية في المنطقة، وجد بيرنارد لويس أن مكانه الطبيعي هناك، في الولايات المتحدة، حيث مركز التأثير في صناعة القـرار الغـربي في الشرق الأوسط، وخاصة أن صهيونية الرجل كانت حقيقة راسخة أكدها في كتاباته ومقالاته الصحفـية، ومن ثم جاء انتقاله إلى جامعة برنستون عام 1974 أمراً منطقياً، بعدما ترك قسم الشرق الأدنى بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجـامعـة لندن .

في العام 1982 حصل على الجـنسية الأميركية، وظل بيرنارد لويس أستاذاً لدراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون حتى تقاعـد رسمياً عام 1986 عند بلوغه سن السبعين، ولكنه أصبح منذ ذلك التاريخ أستاذاً فخرياً Professor Emeritus ،  وهو مركز لا يشغـله إلا العلماء البارزون. ولكنه يحتل ، في الحياة الأكاديمية،  موقعاً مؤثراً باعتباره “حجة ومرجعاً في الشؤون الإسلامية والشرق أوسطية لا غنى عنها لصانع القرار الأمريكي”.

يحاجج لويس بأن هجمات 11 أيلول برهـنت على الخطر على الغرب في حال “حصول الارهابيين الاسلاميين على أسلحة الدمار الشامل” من العراق أو سورية أو ايران. وركز في نداءاته الى الادارة وفي عـدد من المقالات على أنه لا يمكن للولايات المتحدة “اظهار الضعـف تجاه العرب والمسلمين”.

وفي مؤتمر بعنوان “اليوم التالي: التخطيط لعـراق ما بعد صدام” نظّمه معهد “أميركان انتربرايز” American Enterprise Institute اليميني في 3 تشرين الأول  ، 2002 مفتتحا به سلسلة من الندوات عن الموضوع، طرح بيرنارد لويس نظريته القائلة بأن “معارضة التدخل العسكري الأمـريكي يعني رفض الديموقراطية في المنطقة .” [كــذا…!!]

أثبت لويس قدرة كبيرة بين أترابه من المستشرقين المحدّثين. كما كشف عن موسوعـيةٍ هائلة في البحث وجمع مواد التاريخ في العالمين العربي والإسلامي. فلقد اختار المناسب منها للفكرة المطروحة والمعالَجة، ثم قام بتشريحها وتحليلها وتقديمها للقارئ الغربي كمادة ثقافية جذابة ، وليس أكاديمية باردة فحسب، وذلك بأسلوبٍ من العرض المثير والمنطق الجذاب واللغة المبسطة، أو “التبسيطية” كما يتهمه ناقدوه، محاكياً بذلك العـقـل والغـريزة معاً ، وجامعاً أحداث الحاضر والتاريخ في حزمة واحدة، وهو ما عجز عـنه، أو لم يتجرأ على مقاربته، البحاثة الآخرون من قبله. فقد فهِم لويس منذ أن جاء إلى الولايات المتحدة، وربما كان ذلك من أسباب قدومه إليها أيضاً، أن الأفكار والمبادئ التي تنتجها النخب الفكرية، بذهنية ولغة أكاديمية نخبوية صافية، غير قادرة، على الأقل في المجتمعات الديموقراطية الحرة، على التأثير العميق والسريع في الثقافة العامة وصناعة الرأي، وبالتالي في صناعة القرار.

“بطريرك الإستشراق”

ينتمي برنارد لويس إلى نخبة من المفكرين والباحثين التاريخيين وقادة الفكر الإستراتيجي في الولايات المتحدة، أمثال صاموئيل هانتنغتون Samuel Huntington، صاحب نظرية “صراع الحضارات” التي استقاها من مقالة للويس بعنوان “عـودة الإسلام”، وفرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)، القائل بـ”نهاية التاريخ”، الذين تبنّت أفكارهم ونظرياتهم الداعية إلى تكريس النظرة الأحادية إلى العالم من بوابة الإمبراطورية الأمـريكية المنتصرة، مجموعة من صانعي القرار في واشنطن، من المحافظين الجدد، وروّجت لها مؤسسات الأبحاث السياسية والإستراتيجية، وصارت كتبهم على قائمة المبيعات الأكثر رواجاً وتغطية على الصعيد الإعلامي.

نجحت هذه المجموعة ودعاتها والمروّجين لأفكارها ومناهجها الفكرية الإستعلائية في أدلجة التنميط Stereotyping، المستشري أصلاً في المجتمع الأمـريكي، للصورة  السلبية للعرب والمسلمين ، وفي إعطائه بعداً فلسفياً وفكرياً عميقاً، خاصة بعد أحداث أيلول 2001 وارتداداتها الداخلية والخارجية. وعلى خلفية استشراء ثقافة الخوف من الإرهاب التي اجتاحت المجتمع الأمـريكي منذ تلك الأحداث، انتشرت على جميع المستويات الثقافية والعقائدية، بما في ذلك تلك التي تعتدّ بليبراليتها، الكثير من التعميمات النمطية التبسيطية والمتعجرفة التي وجدت أرضيةً خصبةً لها في الأوساط الإعلامية الأمـريكية المعادية أصلاً للعرب والمسلمين.

وكمثال على تلك التعميمات التي أصبحت متداولةً على ألسنة النخب كما العامة: “هذا هو الإسلام”؛ “المسلمون أعداء التغيير”؛ “هم هكذا!”؛ “كان المسلمون وسيظلون على ما هم عليه”؛ “الإسلام نقيض الديموقراطية”؛ “العرب معادون للديموقراطية”؛ “الإسلام ضد الحرية”؛ “إنهم يكرهوننا لأننا نحب الحرية!”.. ألخ.

وزاد في تفشي هذه الظاهرة وجود “مستشرقين”، من أمثال بيرنارد لويس، يملكون من الخلفية الثقافية والفكرية والمؤهلات الأكاديمية والبحثية والخبرة في الطرح والنقد والمجادلة وصناعة الرأي ما يسدِّد مراميهم ويؤيِّد طروحاتهم المؤدلجة.

ولقد وجـَّه المفكـِّر الفلسطيني الراحل الدكتور إدوارد سعيد – وهو أحد صنـّاع الثقافة الغربية في الربع الأخير من القرن المنصرم والناقد الأهم لحركة “الإستشراق” – نـقـداً صارماً لتلك الشريحة من المستشرقين الذين “خانوا رسالتهم كبحاثة” . وقد كان له مواجـهـة معروفـة مع “عميد الإستشراق” برنارد لويس، مفـنداً مزاعـمه وتعميماته، ومبرزاً حجم التناقضات التي وقع فيها في أبحاثه وتحليلاته، وكاشفاً حقيقة مقاصده ومراميه لا سيما لجهة التزامه التصوّر الصهيوني، بشكلٍ سافرٍ ومبطنٍ في آن. لكن إدوارد سعيد لم يوفق في مساعيه النقدية في التصدي لهؤلاء”المستشرقين الجدد” لأسباب عدة أبرزها أنه فلسطيني، وبالتالي فهو “لم يكن محايداً” – من وجهة النظر الأمـرـكية – في مواجهة مفكر يهودي مثل لويس، حيث اتهمه بأنه لم يرَ إلى حركة الإستشراق إلا من” زاوية مؤامراتية” تخدم المصالح الإمبريالية على حساب شعوب المنطقة.

الـتـنمـيـط والتعـميم والانتـقـائيـة

لا ينكر أحـد الأثر الذي تركه برنارد لويس لجهة إعادة إنتاج وتوضيب مواد التاريخ والإجتماع العربية ـ الإسلامية وتسويقها في العالم الغربي، في ما يشبه الكتب القصصية الجذابة، المتوسطة الحجم نسبياً والمعتمدة في المناهج الأكاديمية. ولا أغـالي إذا قلت بأن الكثير مما أنتجه بيرنارد لويس يصلح لأن يكون ضمن سلسلة كتب أميركية شهيرة لتبسيط المعارف، وذلك تحت عنوان مثير هو “تاريخ الإسلام للأغبياء” !…( History of Islam for Dummies)

أما أكثر نقاط النقد لأفكار بيرنارد لويس إثارة للجدل فهي تلك التي تتصل بأسلوب التنميط والتعميم الذي يمارسه لويس في حق العرب والمسلمين. فهو ينتقي مواده بشكلٍ يصعب على النقاد محاججته أو التشكيك بصحتها. وهو يستشهد، إضافة إلى آيات من القرآن الكريم وأحاديث الرسول، بوقائع تاريخية، قديمة وحديثة، تنتمي إلى حقبة معينة وتتصل بفئة أو مجموعة أو مجتمع إسلامي بعينه، ثم يقوم بتحليلها وإسقاط نتائج ذلك ومدلولاته، بشكل تعميمي سافر، على العرب والمسلمين جميعا وعلى امتداد تاريخهم، أو على حقبة كاملة منه.

في مقالة بعنوان “الإسلام من خلال عـيون غربية”  يقول إدوارد سعيد:

“بدلاً من توضيحها وتهذيبها، ساهمت النخب الثقافية في مواقع صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية ، في تعزيز وتكثيف الصورة النمطية للإسلام كتهديد للغرب. ومن رؤية زبغـنـيـو بريجنسكي في “قـوس الأزمات”The Arch of Crisis  إلى نظرية بيرنارد لويس في “عودة الإسلام”، تبدو الصورة المرسومة موحـدة : “الإسلام يعـني نهاية الحضارة كما نعرفها “نحن”؛ الإسلام ضد الإنسانية، ومعادٍ للسامية، ولاعقلاني”.

وكمثال على نمطية صورة الإسلام وتعميمها على الشخصية الإسلامية على اختلاف تنوعاتها وخلفياتها الثقافية ومخزون تجاربها، يقول بيرنارد لويس في مقالته الشهيرة، “جذور الغـضب الإسلامي” ، وذلك في معرض إجابته على التساؤل: “لماذا يكره غالبية المسلمين الغرب، ولماذا لن يكون من السهل التخفيف من مرارتهم تجاهنا؟”  :

“في نظر غالبية الشعوب [العربية والإسلامية] في الشرق الأوسط، لم تجلب الأنماط الإقتصادية الغربية لهم سوى الفقر، والنظم السياسية الغربية لم تنتج لهم سوى الديكتاتورية، وأما أسلحة الغرب فلم تأتِ بغير الهزائم… لقد عانى المسلم من مراحل متتالية من الهزائم.

الهزيمة الأولى كانت خسارته لموقع السيادة التاريخي في العالم، في مواجهة روسيا والغرب. الهزيمة الثانية كانت تحجيم سيادته الوطنية الداخلية عبر اجتياح الأفكار والقوانين وسبل العيش الغربية، وأحياناً إلى درجة تنصيب الحكام الغرباء وتوطين المستعمرين من غير المسلمين على أرضه. أما الهزيمة الثالثة، وهي القشة التي قسمت ظهر البعير، فكانت تحدي سيادته على أسرته من خلال تعميم شعارات تحرر امرأته أو تثوير أبنائه على أنماط وأساليب حياته التقليدية”.

مستقبل الشرق الأوسط
في كتابه “مستقبل الشرق الأوسط” الصادر عام  1997 ، كتب برنارد لويس نبؤاته عن مستقبل المنطقة ودولها وشعوبها على عـتـبـة القرن الحـادي والعشرين. وقد عرض الكتاب لمجمل الطروحات الفكرية والسياسية والإستراتيجية التي كانت حينها على قمة أولويات البحث. وازداد الإهتمام بها ليأخذ أبعاداً “معولمة” بعد أحداث أيلول 2001 ، وانطلاق الحملة الأميركية في سياق “الحرب على الإرهاب”.

لعل أبرز هذه الطروحات : مقاربته لفكرة “دمج الحرية والإيمان بشكلٍ لا يستثني أحدهما الآخر” كحلٍ لمشاكل الإسلام السياسي؛ وتعمّـقه في تحليل مفهوم الجهاد لدى الحركات الأصولية الإسلامية، ومقارنته بجهاد الصليبيين المسيحيين في القرون الوسطى؛ إلى مقاربته مستقبل الصراع بين تلك الأصولية الإسلامية والديموقراطية الليبيرالية، رغم ميل البعض من تلك الحركات، كما هو الحـال في تركيا وإيران والجزائر، للقبول باللعبة الديموقراطية كوسيلة للوصول إلى السلطة ومن ثم العمل للقضاء على العناصر والأفكار “المعادية لشريعـة الله”.

وبعد مقولة تبنّي وتنظيم وانتشار إرهاب الحركات الأصولية، يصل لويس أخيراً إلى القضية المركزية المتمحورة حول الصراع العربي الإسرائيلي. في هذا المجال، يبيّن لويس أن الحل “لن يتأتى إلا عن طريق التغيير الجذري لأنماط التفكير” في العالمين العربي والإسلامي. ويرى إلى سيرورة التغيير ابتداء من قبول واعتناق مبدأ التعاون في حل النزاعات، ونمو الحد الأدنى من بنية الإحتكاك والتواصل بين إسرائيل وجيرانها وصولاً إلى “التأقلم”. بل يـذهب لويس الى أبعـد من هذا، فـيزعم أن التأقـلم “قد يتطور مع الوقت ليغـدو تسامحاً، والتسامح قبولاً، والقبول ثقةً، وقد تتطور الثقة إلى صداقة”…

“أزمة الإسلام”

“أزمة الاسلام: الحرب المقدّسة والإرهاب غير المقـدس” ، ويمكن اعتبار هذا الكتاب تكملة للكتاب الذي سبقه What Went Wrong? Western Impact and Middle Eastern Response”مـاذا كان الخطأ؟” في مقدمته، يتضمن الكتاب أربع خرائط تاريخية للعالم الإسلامي هي:
1 ـ عصر الخلفاء: تظهر المد الإسلامي منذ انطلاق الدعوة عام 622 وحتى عام 750 إبان العصر الأموي؛
2 ـ  الإمبراطورية العثمانية: تتضمن الإمتداد الجغرافي للدولة الإسلامية منذ عام 1300 وحتى عام 1683 (تاريخ فشل الجيش العثماني في دخول فيينا)؛
3 ـ عصر الإمبريالية: التقسيمات الإستعمارية لتركة الإمبراطورية العثمانية بين الدول الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا وروسيا)؛
4 ـ الشرق الأوسط الحديث.

أي تاريخ يـُدوِّنـُه “المـؤرخ” لويس؟

يبدأ التاريخ عند المسلمين ، حسب بيرنارد لويس ، مع انطلاق الدعـوة الإسلامية نفسها، وهو السبب في تحديد التقويم بتاريخ هجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة المنوّرة. أما ما سبق ذلك، من تاريخ لحضارات الأمم التي سبقت واندثرت، فلم يتعـدّ الإهـتمام به درجة ارتباط ذلك بما جاء في القرآن من روايات وأمثلة عن تلك الأمم والشعوب التي كانت تقبع في درك “الجاهلية”. وأما التاريخ الإسلامي فـيمثل، بالنسبة للمسلمين، “نتيجة حتمية لمشيئة الله” [كــذا…!!] ، وهو بذلك ذو شأن ديني وفقهي- قانوني هام ، في حين لا يحمل تاريخ غير المسلمين مثل هذا البعـد الإلهي.
لهذا ظل الإهتمام بالموروث التاريخي لفترة ما قبل الإسلام، في بلادٍ هي مهد الحضارات الإنسانية التي تنتشر الشواهد عليها في كل مكان، في حدوده الدنيا. فقد انقرضت لغات الأقدمين ودفنت مآثرهم تحت الرمال، حتى جاء البحاثة وعلماء الآثار الغربيين ليعيدوا نبشها ودراستها وفك رموزها وطـلاسـمهـا.

ظل الإسلام، لأكثر من ألف عام، يمثل المصدر المقبول الوحيد للقوانين والتشريعات الخاصة والعامة في حياة المسلمين. ولم يتغير هذا الواقع حتى في ظل وقوع معظم البلاد والشعوب الإسلامية تحت احتلال الدول الأوروبية لها.لهذا يبدو الفارق شاسعاً بين العالم الإسلامي وبقية دول العالم، حين يتعلق الأمر بالشؤون السياسية، محلية كانت أم دولية. إذ لا يجتمع رؤساء الدول الإسكندنافية  ـ على سبيل المثـال ـ من وقت لآخر لمناقشة قضايا الـدول البروتستانتية؛ ولا هي من عادة زعـماء اليونان وصـربيـا وبلغـاريا وروسيا أن يتناسوا خلافاتهم الإيديولوجية لعـقـد اجتماع على خلفية العـقـيدة الأرثوذوكسية؛ وكذلك لم تحاول الدول الآسيوية التي يعتنق غالبية سكانها البوذية تشكيل تجمع بوذي في الأمم المتحدة.

إن مجرد التفكير في تشكيل تجمعات ضمن هذا الإطار في العالم الحديث قد تبدو غريبة وبلا معـنى. لكنها ليست كذلك في العالم الإسلامي. ففي خلال مراحل الحرب الباردة جميعها، كان ممثلو أكثر من خمسين دولة إسلامية، من جمهوريات وممالك وإمارات، ومن دول محافظة وثورية، رأسمالية واشتراكية، مدعومة من الشرق والغـرب، يشكلون تجمعاً دولياً يلتقي بشكل دوري ليتعاونوا بشأن قضايا تهم بلادهم وشعوبهم.

أحد أسباب هذا التميّز في الموقف السياسي الإسلامي يعود إلى المستوى العالي من الإيمان والممارسة الدينية لدى المسلمين عامة،  مقارنة بأتباع الديانات الأخرى. السبب الآخر والأهم هو أن الإسلام ليس طريقة عـبادة وحسب، وإنما هو أيضاً هوية وانتماء. فبالنسبة إلى الكثير من المسلمين، يمثل الإسلام الهوية والإنتماء بحيث يتفوقان على أي هوية أو انتماء آخرين. أما عن الموجة الثورية الحديثة في الإسلام فتقوم على عـدة ركائز. أحد هذه الركائز الشعور بالإذلال، وهو شعور مجموعة من الناس اعتادت أن ترى إلى نفسها كـ “حامية وحيدة للحقيقة الإلهية”. إنها تؤدي “واجباً إلهياً”  بتبشير “الكفار” بالدين الحنيف. لكنها لا تلبث أن تجد نفسها واقعة تحت سيطرة هؤلاء “الكفار” أو هي متأثرة إلى حدٍ كبير بهم، وبشكل أدى إلى تغيير أنماط حياة المجموعة. وبالاضافة إلى الإذلال، هنالك الشعور بالإحباط المتأتي من فشل جميع الخيارات المستوردة من الغرب لتغيير أحوال الشعوب.

وبعد الإذلال والإحباط جاءت الركيزة الثالثة الضرورية للبعـث ـ الثقة بالنفس من جديد والشعور بالقوة. هذا الشعور انطلق وتنامى خلال أزمة النفط بعـد حرب تشرين الأول عام 1973، حين اتخذت الدول العربية المنتجة للنفط، موقفاً داعماً لمصر وسوريا في حربهـمـا ضد إسرائيل، باستخدام النفط كوسيلة مؤثرة جداً. الثروة الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، والفخر، والثقة بالنفس، تم تعزيزها بركيزة أخرى هي : إحتقار الغرب وأخلاقياته. بـيـد أن السؤال الذي يشغل تفكير صانعي القرار الغربيين اليوم هو البحث عما إذا كان الإسلام، أصولياً كان أم تقليدياً، يشكل تهديداً للغـرب؟

معـنى “الجهـاد”

يشرح بيرنارد لويس معنى الجهاد كواجبٍ ديني مقـدّس، مفاضلاً بين مفهومين للجهاد: جهادٌ أخلاقي غايته تهذيب النفس وترويضها وجهادٌ حربي في سبيل الأمة. وهو يستشهد في ذلك بآيات من القرآن الكريم وأحاديث النبي محمد. إلى ذلك فهو يربط مفهوم الجهاد بالسياق التاريخي للفتح الإسلامي، غرباً باتجاه إسبانيا والبرتغال  وجنوب غرب فرنسا وجنوب إيطاليا، وشرقاً باتجاه وسط آسيا والهند والصين.

إن مفهوم الجهاد الحربي لدى لويس ينطلق من خطين: الجهاد الهجومي، وغايته نشر الدين الإسلامي، والجهاد الدفاعي، وغايته الذود عن بلاد المسلمين. لكن العالم، في نظر المسلمين، مقسوم إلى ثلاث مناطق: “دار السلام”، وهي بلاد المسلمين، و”دار الحرب”، وهي بلاد الكفار، و”دار الصلح”، وهي بلاد أهل الكتاب، أو المشركين، أو الكفار، ممن عقدوا صلحاً مع المسلمين يدفعون بموجبه “جزية” لقاء عدم احتلال بلادهم أو محاربتها.

ولم يتوقف التزام مبدأ الجهاد الهجومي على زمن الفتوحات الإسلامية الأولى بل امتد حتى السنوات الأخيرة من عمر السلطنة العثمانية. فقد اجتاح الأفغان، عام 1896، منطقة “كوش” الجبلية في شمال الهند، والتي كان يطلق عليها اسم “كـفرستان” ـ أي بلاد الكفـر، لتصبح بعـد احتلالها “نورستان” ـ أي بلاد النور. كما أطلق العثمانيون على بلغـراد، والتي كانت مركزاً متقدماً في حربهم ضد النمسا في أواخر القرن السابع عشر، إسم “دار الجهـاد”. وكانت وزارة الحرب التي أنشأها محمد علي باشا في مصر، حسب الهيكلية والتنظيم الفرنسي، تدعى “ديوان الجهادية” والوزير القائم على شؤونها يوصف بـ “ناظر الجهادية”.

على الرغم من تعريفه لصفتي الجهاد الفردية والعامة، ينتقد لويس أولئك الذين يجهدون حالياً للتقليل من أهمية صفته الحربية درأً لشبهة العنف والإرهاب التي أُلصقت به. وحسب رأيه، فقد افتقد مفهوم الجهاد في العصور الحديثة “قـداسته” بينما حافظ على بعـده الحربي البحت، وهو ما يبدو جلياً في أدبيات الحركات الإسلامية الناشطة في كشمير والشيشان وفـلسطين.

“نعـمة” الإستعـمار والإحـتلال!

يقول لويس أنه غـداة سيطرة الدول الأوروبية على منطقة الشرق الأوسط، مطلع القرن الماضي، لم تقم بضمّ تلك الـدول إلى سيادتها المطلقة بالشكل التقليدي الذي مارسته في بقية المستعمرات والملحقات الأخرى حول العالم . فقد أوكلت “عـصبة الأمم” حينها إلى كل من فرنسا وبريطانيا انتداب تلك الـدول وإدارتها ضمن مهمة واضحة الأهداف وهي تدريب تلك الشعوب، أو تهيئتها لإدارة شؤونها ذاتياً واستقلالها لاحقاً عن سلطة الإنتداب، وذلك ضمن فترة قصيرة جدا، بين الحربين العالميتين. وقد تم، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، إعلان إنتهاء فترة الإنتداب ومُنحت تلك الـدول استقلالها، فيما بقي القسم الأكبر من شبه الجزيرة العربية خارج سيطرة الدول المستعمِرة.

ومع ذلك، فقد كان التأثير السلبي لتلك الحقـبة كبيراً جداً في نظر شعوب المنطقة. ورغم تأكيد لويس على أن هذا التأثير ومضاعفاته السلبية كانا كبيرين، إلا أنه يعتبره أدنى بكثير، ولأسباب غير أحادية الجانب، وهو على خلاف ما صوّرته الأدبيات الوطنية بعد ذلك. فقد كان لتلك الفترة أيضاً حسناتها، خصوصاً على صعد إنشاء البنية التحتية، والخدمات العامة، ونظم التعليم والتغييرات الإجتماعية التي أدت إليها لدى تلك الشعوب، لا سيما لجهة إنهاء ممارسة “العبودية” والإنخفاض الكبير في انتشار ظاهرة تعدد الزوجات، مع أنه لم يقضِ على هذه الظاهرة بالكامل.

ويمكن بوضوحٍ تلمـّس الفارق بين مرحلتي الإستعمار والإستقلال، وذلك بإجراء مقارنة بين الـدول التي وقعت تحت نير الإستعمار، كمصر والجزائر مثلاً، وتلك التي لم تخسر استقلالها، كالسعودية وأفغانستان. فالسعودية مثلاً لم تعرف الجامعات إلا في فترة متأخرة وبأعدادٍ قليلة جداً. وفي حين يبلغ عدد سكان المملكة 28 مليون نسمة، فإن عدد الجامعات فيها لا يتعدى الثماني فقط مقارنة مع ثماني جامعـات  أنشأها الفلسطينيون منذ الإحتلال الإسرائيلي عام 1967. أما العبودية فلم يتم حظرها في السعودية حتى العام 1962، فيما لا تزال حقوق المرأة مسلوبة حتى اليوم.

فشل الحداثة

يعيد بيرنارد لويس سبب فشل المسلمين في مواجهة تحديات الحداثة إلى “تمسكهم الطوطمي بأمجاد تاريخهم وموروثهم من هذا التاريخ”. وهو ما يؤدي إلى “انسداد الأفق” أمام المحدّثين في نظرتهم الموضوعية إلى ما تعاني مجتمعاتهم من تخلف، و”تمسّك الأصوليين بدوغمائية ظالمة” للإسلام وللعالم. وفي سياق اشتغاله على مقولة تخـلـف المجتمعات العربية وقصورها عن اللحاق بركب الحداثة، يعود لويس ليستشهد بسيلٍ من إحصائيات التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية، كالأمم المتحدة والبنك الدولي للانشـاء والتعمير ، وصـندوق الـنـقـد الدولي ، والتقارير شبه المستقلة الصادرة عن المؤسسات العربية والغربية غير الحكومية، التي تـُبرز وضاعة مركز الدول العربية والإسلامية مقارنة مع بقية دول العالم على كافة الصعـد التنموية البشرية، والاقتصادية والصحية والتربوية وتاثقافية والتكنولوجية.

فـعـلى سبيل المثال لا الحصر ، يشير بيرنارد لويس الى لائحة تضم 27 دولة هي “الأكثر مبيعاً للكتب في العالم”، تبدأ بالولايات المتحدة وتنتهي بفيتنام، ولا تتضمن بلداً إسلامياً واحداً. فيما الأمثلة على صعـيد التخلف الإقتصادي لا تعـد ولا تحصى، ومنها أن الناتج المحلي الاجمـالي بين الدول ذات الأغلبية الإسلامية سجلته تركيا، في المركز الـ23، بسكانها البالغ عددهم 74 مليون نسمة، متخلفة بذلك عن الدانمارك التي لا يتجاوز عدد سكانها 6 ملايين نسمة.

يقول لويس إن شعوب الشرق الأوسط على “يقين متزايد” من حجم الهوَّة التي تزداد اتساعاً بين الفرص التي يوفرها “العالم الحر” وبين “الوضع المزري من الفقر والإضطهاد” الذي يعانون منه. ردة الفعل الطبيعية هي أولاً ضد الحكام وثانياً ضد القوى العظمى، وفي طليعتها الولايات المتحدة، التي تدعم وتحمي هؤلاء الحكام حفاظاً على مصالحها.

لهذا، “لا يبدو مستغـرباً” أن يكون جميع المشاركين في هجمات الحادي عشر من أيلول في نيويورك وواشنطن هم من السعودية ومصر، أي من الدول التي يعتبر حكامها من أهم أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة. أما أكثر الزعماء العرب شعبية لدى العامة في السبعينات فقد كان معمر القذافي، في حين تبوأ عرش الزعامة الشعـبية في الثمانينات والتسعينات صدام حسين، وهذا في حد ذاته “دليل ساطع” على عمق المأزق الذي تعاني منه هذه الشعوب.

في الملحق الثقافي لصحيفة Neue Züricher Zeitung  السويسرية نشر الكاتب الألماني يواخيم شتاينباخ  مقالا عن بيرنارد لويس ونظرته للعالم الإسلامي وعلاقاته مع الغرب.

افتتح شتاينباخ  مقالـه بالحديث عن فريتز بولكشتاين ، المفوض الأوروبي للعلاقات الداخلية ، كمثال لبعض المسؤولين السياسيين الذين يرجعون إلى أطروحات لويس لتدعـيم بعض آرائهم العـنصرية، خاصة تجاه المسلمين في أوروبـا. ويشير شتاينباخ  إلى أن بولكشتاين ، الذي أثارت تصريحاته العنصرية حول العمال الهنغـاريين جدلا كبيرا داخل فرنسا ،  يعتبر أول مسؤول سياسي في هولندا (التي اشتهرت بتسامحها) يصرح بأن قيم المهاجرين المسلمين “تتعارض مع قيم بلاده ”
وحول مشروع انضمام تركيا للاتحاد الأوربي و” ضغط الهجرة” (يقصد المسلمين) يحذر فرستز بولكشتاين قائلا : ” إذا حدث هذا فإن تحرير فيـَنـَّا [من العثمانيين عـام 1683] لم ينفع في شيء… لقد أوقفناهم عـند  Poitiers بواتييه [يقصد معركة “بلاط الشهداء” جنوب فرنسا] … لقد أوقفناهم أمام فيينا … وسنوقفهم مرة أخرى “.
ولتدعيم رؤيته يورد بولكشتاين “تحذير” بيرنارد لويس بأن أوروبـا ” ستصبح مسلمة قبل نهاية القرن [الحـادي والعشرين]”. إن بولكشتاين ليس أول مسؤول سياسي أوروبي يستعين  بالمكانة العلمية للدكتور بيرنارد لويس لرفع لواء مقاومة “الغزوات الجديدة للبرابرة”، ولن يكون آخر مسؤول يفعل ذلك.

ويشبه شتاينباخ بيرنارد لويس بإله الرومان جانوس؛ لأنه مثله، لديه وجهان : الأول كباحث أكـاديمي، والثاني كسياسي. فبيرنارد لويس الأستاذ الجامعي معروف بتخصصه وأبحاثه حول تركيا، ونشر العديد من الكتب حول العالم الإسلامي. ومن جهة أخرى فهو المثقف المنخرط منذ زمن طويل في الصراع السياسي؛ حيث يتميز بدعمه “الكامل” للسياسة الإسرائيلية، وإيجاده آلاف الأعـذار للجنرالات الأتراك إبان استبدادهم بالسلطة في أنقرة، وبإنكاره مذبحة الأرمن التي أدين بسببها في فرنسا.

ومنذ وصول جورج بوش إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية أصبح بيرنارد لويس مستشارا مسموع الرأي، مقربا من “المحافظين الجدد” وخاصة بول وولفوويتز الذي كان نائبـا لوزير الدفاع الأمريكي، والذي أشاد بلويس خلال حفل أقيم على شرفه في تل أبيب في سنة 2002 بقوله: ” لقد عــَلــَّـمـَنا بيرنارد لويس كيف نفهم التاريخ المعـقـد والمهم للشرق الأوسط، وكيف نستعـمله [التاريخ] ليوجهنا في المرحلة القادمة من أجل بناء عالم أفضل للأجيال القادمة “. وبعد أقـل من سنة من ذلك وجه بيرنارد لويس الإدارة الأمريكية إلى “مرحلتها القادمة” في العراق. ففي رسالة بعث بـهـا الر الرئيس الأمريكي جورج بوش أوضح لويس ان غـزو العراق “سينبثق عـنه فجر جديد”، وأن القوات الأمريكية ستستقبل  كـ “محررة”، وأن المؤتمر الوطني العراقي الذي يرأسه صديقه الدكتور أحمد الجلبي “سيبني عراقا جديدا “.

ومنذ سنة 1957 “اكتشف” لويس صدام الحضارات: ” إن الأحقاد الحالية لشعـوب الشرق الأوسط تفهم بطريقة أفضل إذا لاحظنا أنها تنبع ليس فقط من صراع بين الدول أو الأمم، ولكن من صدام بين حضارتين “.

لقد بدأ الصدام بتدفق العرب المسلمين نحو الغـرب وغزوهم لإفريقيا الشمالية وأسبانيا المسيحية، والجدل الكبير – كما يسميه إدوارد  جيبون Edward Gibbon   ـ بين الإسلام والمسيحية تواصل مع الهجمة المسيحية المضادة للحروب الصليبية وفشلها، ثم مع توغـل الأتراك في أوروبا وحربهم الشرسة للبقاء فيها… ثم جاء التراجع منذ قرن ونصف ليخضع الشرق الأوسط الإسلامي لهيمنة الغرب – سياسيا واقتصاديا وثقافيا- حتى في الـدول التي لم تعرف الاستعمار.

وغداة حرب السويس عـام 1956 كانت القومية العربية قـد فرضت نفسها بقوة في المكان، وكان الإسلام السياسي هامشيا، ورغم ذلك اعتبر بيرنارد لويس  أن إرادة الشعوب العربية في التحرر من الاستعمـار ليست كفاحا سياسيا، ولكنهـا “عـداوة ضد الثقافة الغربية ” [كــذا…!!].

وقد أعاد بيرنارد لويس فكرته الراسخة عن “صدام الحضارات” في عـام 1990، لكنه ترك لـصاموئيل هنتنجتون  مهمة الترويج لهذه الوصفة… ويـبـدو أن لويس لا يمل من تكرار أسطوانته “المشروخـة” :” إنهم [يقصـد العرب والمسلمين]  يكرهـوننا، ليس بسبب أفعالنا، ولكن لأنهم يرفـضون قيمنا حول الحرية ؛ لأنهم منذ قرنين فـقـدوا قوتهم ”

ويؤكد بيرنارد لويس أن الـدول  الإسلاميـة التي “أصبحت ضعيفة منذ قرنين” بحثت دائما عن دعم لتحارب عـدوهـا “الديمقراطية الغربية”، فـقـد “أيدت في بادئ الأمر قوات المحور ضد الحلفاء، ثم أيـدت الشيوعـيين ضد الولايات المتحدة الأمريكية…  وأدى ذلك إلى وقوع مأساتين”.

ويبـدو أن هـذه الفكرة العبقريـة غـابت عن بال معظم المؤرخين وعلمـاء السياسـة والاجتمـاع الغربيين ، ولم ينتبـه اليها سوى “فريـد عصره” بيرنارد لويس الذي يريـد أن يوحي للقـراء وكأن ثـمـة تحالف بين السعـودية والاتـحـاد السوفييتي ،  أو تحالف بين الإسلام والشيوعية طيلة حرب أفغانستان ، وأن هـذا التحالف غاب عن بال أغلبية المراقبين الآخرين. وخلال صفحات مـعـدودة يختصر بيرنارد لويس عشرة قرون من التاريخ الاسلامي، تميزت بتعـدد مواقع القرار في العالم الإسلامي، والانقسامات والتحالفات (بما في ذلك مع القوى المسيحية)، ويلخص ما يفكر به المسلمون، نخباً وشعـوباً، أمماً وطبقات، سنة وشيعة مجتمعين بقـولـه :” إنهم مختلفون جذرياً عـنا.. إنهم يرفضون حتى الموسيقى الغربية ”  ربمـا لم ينـتبـه السائح اللبناني أو السعودي المسرع في أزقة القاهرة  القـديمـة  إلى نوتات موزارت أو بيتهوفن أو براهمز التي تنبعث من دكاكين الأسواق. ولكن هل يسمعها حتى في مقاهي باريس أو لندن؟ ….

ويبـدو أن “العـلامـة” لويس لا يعرف أن العديد من العواصم العربية  لديها معاهد جيدة للموسيقى : القاهرة، بيروت، دمشق، تونس، الرباط ، عمـَّان وحتى رام الله. والسؤال الذي يطرح نفسـه هـو : لماذا يستعمل بيرنارد لويس سلاح الموسيقى الغربية لإدانة الإسلام ؟ ولماذا لم يأخذ في اعـتبـاره التشكيلة  الرائعة  للموسيقى في العالم الإسلامي ؟.

وبـعــد ؛

إن حجر الأساس في موقف بيرنارد لويس من العرب والمسلمين هـو أنهـم “لن يتـغـيروا أبدا” … وأن أي مقاربة سياسية تاريخية للمسلمين يجب أن تبتدئ وتنتهي إلى حقيقة أن “المسلمين هم مسلمون “.

ولا بد أن عالماً أمريكياً ( من مـريـدي لويس ) سيكتشف قريباً “جينا” للإسلام والمسلمين، يفسر لماذا “هم” مختلفون عن باقي “البشرية المتحضرة”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كـاتب وأكـاديمي فلسطيني مقـيـم في السـويد .

 
avatar
م.أ.البشيتي
عضو متميز
عضو متميز

عدد المساهمات : 326
تاريخ التسجيل : 03/12/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى