أزمة الـقـراءة في العـالم العــربي
الدكتور عـبـد القـادر حـسين ياسين


لست أدري لماذا يطلق على الشخص المتيـَّم بحب القراءة "دودة كتب"؟!
صحيح أن الحرير الثمين تنسجه دودة القـز،
لكنني أرى أن وصف نحلة الكتب افضل وأجـمل،
فالنحلة حياتها بين الازهار والورود،
غـذاؤها الرحيق وعطاؤهـــــا عـسل شهي فيه شـــفاء،
وكــــذلك المعرفة الـحـقـَّة طيـــــبة نافعــــة تشفي من الجهل.


الغريب أن وصف "دودة الكتب" هو الأشهر حتى في اللغات الرئيسية الاخرى،
فـفي الإنجليزية Bookworm، وفي الفـرنسية rat de biblioth’que،
وفي الألـمـانيـة Bücherwurm لنفس الدلالة على محبي القراءة الشغـوفـين…
على أي حال ، وسواء اعتبرنا القارئ النهم دودة،
أو نحلة ـ كما أفـضل - فهو كائن جدير بالتشجيع والاحـتـفاء،
فضلا عن الحماية من الانقـراض.


لي صديق ، أعـتز وأفـتخر به ، من هـذا النوع .
تعرفـت عليه منذ سنوات طويلة عندما تكرر التقائي به في مكتبة الجامعـة.
جمعـني به حـُبّ القراءة وتقارب أذواقـنا في ما نـفـضل من كـتـب،
فضلا عن أدبه،  وهـدوء طبعه ، وسعة صدره ، عـنـد اختلاف الرأي...


عندما زرته في شقـته فـوجئت بان الكتب كانت هي الساكن الحقيقي لبيته….
هي في كل مكان : على المناضد والمقاعـد والسرير،
حتى تجـد لك مكانا تجلس فـيه ، عليك أن تعيد ترتيب أكوام وأكوام من الكتب!


هـذا الصديق لا يمـيـل لـلـثرثرة، لكن إن طرقـت موضوعاً يثير اهتمامه الثـقافي ،
فانه يفـيض ويـُسهب في الكلام المرتـَّـب والمفـصَّـل،
وأسلوبه ينـم عن عـمق نظر وسعة رؤية،
وليس مجرد سرد لمعلومات من دون ربط،
فالعـبرة بما يعـمله فكرك فـيما تقـرأ ،
لا بكـثـرة مخـزونـك من المعـلومات، كما يقولون.


وعلى عكس ما يتبادر لاذهان البعـض عن عـشاق القـراءة،
من أنهم غالباً إنطوائـيـون إنعـزالـيـون،
فان لهـذا الصديق عـدداً لا بأس به من الاصدقاء والمعارف،
من مشارب فكرية شتى، ولعـله يقـصد ذلك الـتـنـوع، فـهـو لا يحب الانغلاق.


إذا ركبت مع أوروبي في حافـلـة أو قـطـار ،
وجدته خانساً منغـمـساً يقـرأ في كتاب،
وإذا ركبت مع عـربي وجـدتـه "يـُبـصبـص"،
كالذئب العاوي، أو كالعاشق الهاوي،
يتعـرف عـلى الركاب،
و"يسـولف" مع الأصحاب والأحـباب.


بيننا وبين الكتاب عـقـدة نـفـسـيـة، ونحن أمة "إقـرأ"،
ولكن ثقــلت عـلينا المعـرفة،
وخـفَّ علينا "الـقـيل والـقـال"...


ولو سألت أكثر الشباب:
ماذا قـرأت اليوم ؟
وكم صفحة طالعـت ؟
لوجدت الجواب: صفر مكعَّـب...


ولو سألت احـدهم عن عـمرو دياب ،
آو آخر البوم لهـيفاء وهـبي أو نانـسـي عجـرم ،
لأتى لك بالأخبار من كل حـدب وصوب ...


ولا حـول ولا قـوة الا بالله.


يحتاج شبابنا إلى دورات تدريبية على القـراءة،
لأنهم وزّعـوا الأوقات على السمر مع الشاشات،
أو متابعة آخر أخبار الفنانين والفنانات.


الإنسان بلا قـراءة قـزم صغير،
والأمة بلا كتاب قـطيع هائـم...


طالعتُ سِيَر العظماء العباقـرة ،
فإذا الصفة اللازمة للجميع مصاحـبـتـهم للحـرف،
وهـيامهم بالمعـرفة وعشقـهم للعـلـم،
حتى مات أبو عـثمان الجاحـظ تحـت كتبه،
وتوفي مـُسلم صاحب "االصحيح" وهو يطالع كتاباً...


وكان أبو الوفاء ابن عـقـيل يقـرأ وهو يمشي،
وقال ابن الجوزي : " قـرأت في شبابي عـشـريـن ألـف مـُجـلـد..."،
وقال الـمـتـنـبي: "وخـيـر جـلـيـس في الزمان كـتاب..."
ويقـول الروائي الروسي الشهير ليو تولـستوي:
"قراءة الكتب تداوي جراحات الزمن..."


وَلَو نار نـفـخــت بِها أَضاءَت ـ
وَلَكن أَنتَ تـَـنفـخ في رَمادِ.


وددتُ لـو أنَّ لنا يوماً في الأسبوع يـُخـصص للقـراءة،
ويا لـيـتـنـا نـبـدأ بمشروع القـراءة الحـرّة النافعة...
عـشر صفحات كل يوم تُـقـرأ بفـهم من كتاب مفـيد،
لـنحـصد في الشهـر كتاباً ،
وفي السنة اثني عـشـر كـتاباً،
ولـتكن قـراءة منـوّعـة في ما ينفع ،
لـتـتـضح أمامنا أبواب المعـرفة ،
وتتسع آفاقـنا، وتُـنار عـقـولـنا.


أزمة القـراءة في العالم العــــربي واضحة لا تحتاج لمـزيد بــــيان،
وهي بلا شك جـزء من أزمـتـنا الحضارية الشاملة…
فـما تـفـضـحـه الإحصائيات الرسمية عن إنتاج الكتب واستهلاكها شيء محــــزن حقا.
ومكـتـــباتنا تـنعي بوار بضاعـتها وجفـوة روادها ،
حتى صارت كأنها مـقـابـر جـماعـيـة لـلـكـتـب.