الـخـَوف مـن الـكـتـابـة الـدكـتـور عـبـد القـادر حسين ياسين
2019-02-17
كنا  نكتب بالقـلم،
وكان ذلك القـلم من القصب البري والوحشي،
الذي كان الراعي يصنع منه نايه ومزماره،
وكان الصانع يصنع منه سلاله،
وكان الفلاح يـُسـيـِّج به بيته وحقـله .


بسيطاً في شكله كان ذلك القـلـم،
ولكن وظيفته كانت خطيرة وساحرة ومدهـشة.
كان يشفي المرضى، ويـُحضر الغائب، ويـُقـرِّب البعيد،
ويـنـقـل الأشواق، ويـَطرد الجنّ من الأجساد المسكونة،
ويعـتـقـل الصور الشاردة والحالات الواردة والذكريات الهـاربة،
ويخطط الرسومات ويُهـندسها، ويُلونها، بألوان نباتية برية.


هكذا رأيت القلم لأول مرة ، فاحترمته، وعـشقـته، وقـَدَّسته،
ولحـقـني منه شيء من الخوف مرَّة، وشيء من الرهـبة.
وعـرفت لماذا أقـسم الله بالقـلـم، ولماذا أمر نبيه الكريم أن يقـرأ،
ولماذا ربط العِـلم بالقــَلـَّم، والقــَلـَم بالعـِلم.


في البدء، كان اللوح وحـده.
كان كتابي ومكتبتي وشاشتي التي أنظر إليها،
وأتأملها، صباح مساء،
والتي لم تكن إلكـتـرونية، كما هي اليوم.


صقـيـلاً كان ذلك اللـوح، وصافـياً وطاهـراً،
كالسـَّماء في عـز الصيـف،
وكان ذلك القـلـم القـصـبي حاضراً،
يملك وحده القـدرة على تأثيث كل الفـضاءات،
وملء كل الفـراغـات، وتسويد كل البـيـاضات،


وكنا نغـمـسه في المـداد وفي الدواة،
وكنا نغـرسه ، وكأنه السيف أو الرمح أو الخـنـجـر ،
عـميقا في جـراحاتنا النازفـة،
وكنا نـتـعـجب، في براءة أو في خـبـث،
كيف تكون كـتـابـتـنـا على اللوح،
أو على الأوراق البـيـضاء،
أو على الجدران... العـذراء، تكون باللون الأسود؟


اليوم تغـيـر كل شيء،
وأصبح العـصر عـصر الصورة،
ودخـلـنا عـتـبة الكتابة بغير الأقـلام ،
وبغير المداد وبغير الدواة وبغير اللوح،
الذي كنا نكتبه في الصباح، ونمحوه في المسـاء،
ونجعل ما في السطور يـنـتـقـل إلى الصدور.


ذلك المحو إذن لم يكن محواً كاملا،
وذلك لأنه كان مسكوناً بالحفـظ،
وكانت ذاكرتنا العـذراء والبيضاء كتابنا المفتوح على الحياة،
في تعـددها وتجـددها، وتـلـونها، وتداخل أشكالها وألـوانها،


ولهذا، فقد كان من الضروري أن يفـرض التساؤل التالي نـفـسه:
إلى أي حد يمكن لهذه الذاكرة أن تستوعـب كل شيء،
وأن تـقـبض على عـقـارب الساعة المجـنونة والحمقاء؟
وهل بإمكانها أن تستوعـب الكلمات والعبارات ،
والصور المتلاحقـة والحالات المركبة والمشاهدات المتداخلة،
والإشاعات المصنعة، والحكايات والمعتقـدات والخرافات،
والاجتهادات والخيالات والشطحات الصبيانية الغريبة؟


وكان لا بد من الورق،
وذلك من أجل تدوين الأفـكار واعـتـقـالها،
ومصادرتها، والرجوع إليها،
وذلك للتواصل بها - ومن خلالها - مع المعـرفة أولا،
ومع الذات ثانياً، ومع الآخرين ثالثاً،
ومع الماضي رابعاً، ومع المستقبل خامساً،
ومع كل العالم والكون بعـد ذلك.


لقد دخلت أخيراً - كما دخل كل الناس قبلي - عصر الكتابة الضوئية،
وأصبحت عـبداً من عـبـيـد الشاشة.
وإنني، بمناسبة هذه الـقـفـزة التكـنولوجية أتساءل:
أهو تطور أم تـقـهـقـر، أن أنـتـقـل من الكتابة بالـقـلـم الـقـصبي،
إلى قـلم الرصاص، ومنه إلى الريشة والمداد ،
وإلى الـقـلـم ذي الحـبـر الجاف وإلى الآلة الكاتـبة وضجـيـجـها،
وأن أصل أخيراً إلى الكتابة بالضوء؟










الخوف من الـكـتـابـة


إنني أخاف من نفسي وأخاف عليها.
أخاف أن تبيع أجمل ما فيها مقابل السـَّراب والزيف والخلاب.
أخاف عليها أن تشيخ، وأن تهزمها الأيام والليالي.
أخاف عليها من نشوة النجاح وحرقة الفـشل.
النجاح يفضي إلى الرضا وإلى مصالحة الواقع،
أما الفشل فيؤدي إلى السخط وإلى معاداة العالم.
إنهما طريقان مختلفان، ولكنهما معا، يؤديان إلى المحطة نفسها،
أي إلى الموت الحتمي، موت الإنسان المبدع بداخلي.


لا أنظـر إلى النجاح والفشل من زاوية الجمهور ،
إقباله أوعـدم إقباله على ما أكتب ،
ولكن من زاوية الإبداع في ذاته، أي أن تحس الأشياء وتحياها ...
إنني أخاف أن تخونني الكتابة،
أي أن أفكر في شيء، وأن تترجم هي شيئاً مغايرا.
وأقف الآن لحظة لأتساءل:
هل نجحت أم فشلت في أن أجعـل حـياتي حـية في الكتابة؟


إنني لا أجيب، لا بالنفي أو الإيجاب،
لماذا؟ لأنني أكره الفشل الخالص، ولا يستهويني النجاح المحض،


التورط في الكتابة


لست أدري، كيف ومتى بدأت فعل الكتابة،
وذلك لأنني - من غير أن أشعـرـ  وجدت نفسي متورطاً ،
في فعل غـريب وعـجيب يـُسمى الكتابة.


لقد دخلت فضاءها وعالمها،
كما يدخل المتعـب فضاء النوم والحلم.
ففي لحظة سحر وانجذاب  وجدت نفسي غير نفسي ،
والعالم غير العالم، والأشياء غير الأشياء،
وأسأل الآن نفسي:
هل دخلت الكتابة أم دخلتني الكتابة؟
لست أدري، ولا أريد أن أدري،
لأن هذا الغموض الغـني ، بأسراره الخفـية ،
يجعـل من الكتابة سحراً أو جنوناً أو هـذياً خلاقـاً.
ولأنني لا أملك سوى أن أسأل،
ولأن كل ثروتي تكمن في أسئلتي المشاغـبة،
فإنني سأسـتمر في ممارسة لعبة التساؤل المشروع:
هل يولد الكاتب كاتبا؟
بين الانقطاع والتجدد
ما الجديد لديك؟
أعترف أنه لا شيء يقلقني غير هذا السؤال،
إنه السؤال المفتوح على العدم،لأنه يهرب سؤالاً آخر غـيره وهو،
أما زلت حيـَّا تكتب؟ وإن كنت كذلك، فأين شهادة الحياة؟
إن الجديد هو وحده الشهادة التي تثبت،
أن المبدع ما زال حياً ينمو ويتجدد.


إن الجواب بالنفي يعني الموت، الموت الأدبي والفني،
والذي هو انقطاع عن فعل الوجود،
والموت لا يكون فقط في توقـف نبض الكتابة،
بل وأيضا، في تكرار الكتابات وفي استنساخها،
أي أن يكرر اللاحق السابق، من غـير أن يتجاوزه ويغايره،
ومن غـير أن يضيف لحروفه حرفا، ولأسفاره سفرا،
ومن حسن حظي أنني مازلت أحمل قـلقي ورعـبي بداخلي،
ومازلت أحتفظ بأسئلتي واندهاشي أمام الناس والأشياء.
هل يمكن أن نقول أن الكتابة تبدأ وتنتهي  بزواج الورق والمداد؟
أم نقول إنها تبدأ قبل ذلك، ولا تنتهي بعـد ذلك؟


إن المبدع لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد،
ولا يخرج من تجربة، إلا ليدخل أخرى غيرها.
إنه السندباد في رحلاته التي لا تنتهي.
فقد يكون في صمته أبلغ من كلامه،
وقد يكون في غيابه أكثر حضورا،
ففي حياة الكاتب - لا شيء يفصل بين الكتابة والكتابة..


إن الكتابة إعـتـقال للآن.
ويبقى أن نشير إلى أن هـذه "الآن" غير ثابتة ولا ساكنة.
إن زمن الكتابة قد يمضي،
ولكن القراءة باقية ومتجددة باستمرار،
وبهذا تتجدد الكتابة بالقراءة،
وترحـل عبر اللغات بالترجمة،
والكلمة السعيدة هي التي تجد قارئها،
ولا يهم أبداً أن يتم هذا اللقاء بعـد ساعة أو بعـد يوم أو بعـد عام.
ففي الكتابة يهرب الكاتب من النسبي إلى المطلق،
ومن الساكن إلى المتحرك.
إنه في صراع دائم مع الزمن.
إنه لا يمكن أن يؤجل إحساسه بالأشياء،
ولكنه يملك أن يعـتـقـل هذا الإحساس،
ليحتفظ بحرارته وقوته وحيويته،
وذلك ما حاولت - وأحاول دائما - أن أقوم به.